Menu
10:03تسجيل إصابتين جديدتين بفيروس كورونا في قلقيلية
10:00محافظ سلفيت: تسجيل 7 إصابات بفيروس كورونا في قرية رافات
09:58الاحتلال يهدم منزلاً في جبل المكبر بالقدس
09:56الاحتلال الإسرائيلي يعين مسؤولاً جديدا لملف التهدئة مع غزة
09:53ضابط إسرائيلي يتوقع هجوما قريبا على "إسرائيل" من الحوثيين
09:51حملة اعتقالات ومداهمات واسعة طالت 9 مواطنين من مدن الضفة
09:50اعتقال 50 إسرائيليًا خلال تظاهرة ضد نتنياهو في القدس
09:47وزارة التعليم العالي: تعلن عن منح دراسية لدرجة البكالوريوس
09:43نتنياهو وغانتس يتبادلان الاتهامات بشأن مواجهة كورونا
09:38تسجيل 100 حالة منها 62 إصابة جديدة بفيروس كورونا في محافظة رام الله والبيرة
09:36تعرف علي أسعار الدواجن واللحوم اليوم في أسواق غزة
09:32سواريز يعترف: هذا هو سبب خسارة برشلونة لقب الليجا
09:32تعرف علي حالة المعابر في قطاع غزة صباح اليوم
09:31ديمبيلي يزف نبًأ سارًا لسيتين
09:30دعوات لتكثيف التواجد في المسجد الأقصى
د. محمود الفطافطة

كيف نفهم ما يجري في العالم؟

بقلم:  د. محمود الفطافطة

إن العالم، وما يجري فيه من أحداثٍ وتحولات، يتسم بشدة التعقيد، وكثافة الغموض، وحدة الصراع، وشراسة التنافس. فالإنسان، في ذاته، كائنٌ مُعقد التركيب يصعب الإبحار في عقله لفهم دوافع سلوكه ومحدداته، ومن ثم، فإن محاولة فهم الواقع فهماً سياسياً تستوجب الإقرار، بداية، بأننا لن نستطيع الوصول إلى الحقيقة كاملة، ولم نستطيع الادعاء بأننا قد قلنا القول الفصل في أي موضوع من الموضوعات أو أي قضية من القضايا التي تمور بها الساحة الدولية.

ولكي نفهم الواقع السياسي لما يجري في البنيان الدولي، أو أي من ظواهره، لا سيما المتعلقة بالأحداث الدولية وتفاعلاتها، يجب تقديم مجموعة من الأسس العامة التي تساعدنا في فهم وتقريب الصورة الواضحة لطبيعة هذه الأحداث وأسباب تفاعلها، ومدى تأثيرها، وحدود مساراتها وأبعادها المستقبلية.

ومن أهم هذه الأسس نذكر التالي:

1ــــــ ضرورة ربط أي ظاهرة واقعية نريد فهمها وتحليلها بالإطار الزماني الذي وجدت فيه هذه الظاهرة، ففهم أزمة جنوب السودان (مثلاً) يستلزم الإلمام بالتطور التاريخي لهذه الأزمة، وبذورها الأولى وكيف نشأت، وفي أي ظروف تطورت.

2ـــــ ضرورة وضع الظاهرة موضع البحث في إطارها المكاني؛ أي تحديد البيئة المكانية للظاهرة، وتحديد تشابكات هذه الظاهرة في هذا الإطار المكاني. والبيئة المكانية ليست مفهوماً جغرافياً جامداً، فمثلا دراسة "حزب الله" في جنوب لبنان وحربه مع الكيان الصهيوني تستلزم الإلمام ببيئته المكانية التي تشمل سوريا وإيران، بالإضافة إلى البيئة اللبنانية. كذلك، فإن البيئة المكانية لأي موضوع يتعلق بالصراع العربي ــ الإسرائيلي تكون مشتملة على الولايات المتحدة الأميركية وبعض دول غرب أوروبا.

3ــــ ضرورة الإلمام بالتداخلات الموضوعية للظاهرة، فأزمة العنف السياسي في العالم العربي الآن ليست قضية إرهاب أو تطرف ديني فحسب، بل أنها قضية تتداخل فيها مجالات الاقتصاد والتعليم والسياسة والقانون والدين، إلخ. أي أنها ظاهرة تتداخل في تشكيلها علوم مختلفة، ولهذا لا بد من تحديد الأوزان النسبية لهذه التداخلات الموضوعية، ومن ثم دراستها دراسة معمقة.

4ــــ ضرورة الإلمام بجدلية الداخلي والخارجي، لأنه لا توجد أي ظاهرة من الظواهر السياسية في الواقع المعاصر لا يتداخل فيها الداخل مع الخارج، حتى وإن تعلق الأمر بقضية سياسية على مستوى محلي ضيق. والخارج موجود في كل الجزئيات، حاضر سواءً بصورة واعية أو غير واعية، متعمدة أو تلقائية.

5ــــ ضرورة الإلمام بعالم غيب الظاهرة، لأن لكل ظاهرة عالم الغيب بها أو ما ورائياتها؛ بمعنى أن هناك العديد من الأبعاد الكامنة غير المرئية في هذه الظاهرة التي لا يكفي الوصول

إليها بسهولة، لأنها تشكل عالم الغيب الخاص بها، فمثلاً عالم الغيب الخاص بالأزمة الكردية هو كل ما يتعلق بمفهوم القومية وعلاقته بالرابطة العقدية أو الرابطة الإسلامية، وعالم الغيب الخاص بقضية التنمية والتخلف هو كل ما يتعلق بمفهوم استخلاف الله للإنسان في الأرض، وعالم الغيب الخاص بالأزمة الفلسطينية هو مفهوم السمو العرقي ورسالة العالم المتحضر. وهكذا، فإن لكل ظاهرة عالم الغيب الخاص بها الذي يمثل المفتاح الذي من خلاله يتم الدخول إلى هذه الظاهرة مباشرة من أقرب الأبواب إلى مركزها، ومن أقرب الطرق إلى جوهر حقيقتها.

6ــــ ضرورة الإلمام بجدلية الخاص والعام؛ أي أن في كل ظاهرة سياسية مكوناً شخصياً خاصاً يتعلق بالأطراف المتصارعة فيها أو حولها، ومن ثم لا يمكن الفصل بين الخاص والعام أو بين العنصر الإنساني والعنصر الاجتماعي أو بين الفرد والدولة. الدولة يعبر عنها فرد ـ والسياسة يقررها في النهاية فرد. لكن يجب عدم الوقوع في فخ شخصنة الأحداث أو الإخلال بالأوزان النسبية للعناصر المكونة لأي ظاهرة من الظواهر، إذ قد يكون للعنصر الشخصي مجرد نسبة ضئيلة في بعض الأحيان، وقد يكون جزءاً أصيلاً فيها في أحيانٍ أخرى.

وفق هذه النقاط الست، يمكنلنا الانتقال إلى مناقشة طبيعة وكيفية عمل النظام الدولي. ففي حال تم فهم تلك النقاط والتعامل معها وفق منهجية مدروسة، ومنظومة واضحة ومحددة، وإدارة قوية، ذات مسؤولية وقدرات متنامية، يمكن لنا الوصول إلى إدارة الفعل الدولي بكل تعقيداته وغموضه وتحولاته السريعة جداً.

وللوصول إلى فهم هذا النظام، والتعامل معه، يجب معرفة كنهه وطبيعة مضمونه. وفي هذا الخصوص، يمكن لنا الإشارة إلى النقاط الرئيسة التالية:

1ـــ تتحكم بكل مجموعة سكانية العديد من القوانين التي تنظم معاملاتها مع بعضها البعض. أما المجموعة التي تتكون من عدة دول فتخضع لشبكة من القوانين الضابطة مثل القوانين المشرعة للضرائب والجمارك (هذا ما يطلق عليه بالقوانين الدولية).

2ــــ إن كل الدول بحاجةٍ إلى نظام عالمي عادل وفاعل ويعمل حسب القوانين التي تم إقرارها بالتساوي بين جميع أعضاء هذا النظام وبدون تحيز.

3ـــــ تخالف بعض الدول أنظمة قوانين النظام العالمي وتحاول دول أخرى استغلالها بما يخدم مصلحتها، ومن أبرز الدول التي توصف بأنها مارقة (دول تضع قوانين وتخرج عنها) الولايات المتحدة الأميركية التي تمثل عنواناً للدول الخارجة عن أية قيمة أخلاقية في العلاقات الدولية وتجسيد مفاهيمها. هذه الدولة التي ساعدت أنظمة سياسية وعسكرية مستبدة، سواءً في منطقة الشرق الأوسط، أو أفريقيا، أو أميركا الجنوبية، أو جنوب آسيا وسواها لا تتورع في إزهاق قوانينها أو قوانين الشرعية الدولية من أجل تحقيق مآربها الخاصة. مثل هذا الاعتداء السافر على قرارات التنظيم الدولي نجده واضحاَ وشرساً في ظل إدارة ترمب الذي تجاوز كل الحدود، لا سيما في دعمه ومساندته للاحتلال الصهيوني في فلسطين واعترافه بالقدس عاصمة للمحتل.

4ــــ في أحيانٍ أخرى تحاول بعض الدول أن تسيطر أو أن توجه القرار في النظام الدولي ليصب في مصلحتها أيضاً، وهذا ما يظهر كثيراً في الصراع على الفيتو، وشاهدنه بشكل لافت في الأزمة السورية، من خلال التنافس الشرس بين روسيا وواشنطن.

ومن أجل أن نقرب الصورة أكثر لفهم هذه الطبيعة الجارية في تفاعلات العلاقات الدولية في عصرنا الراهن، لا بد لنا من تبيان استراتيجية اللاعبين الأساسيين في العلاقات الدولية، والتي تشتمل على الأمور الآتية:

ــــ ما هي رؤية قادة هذه الدول وطموحاتهم؟ تلعب دراسة القيادات وتوجهاتها وطموحاتها وتاريخها دوراً كبيراً في التعرف على المشهد السياسي الاستراتيجي. وقديماً قال نابليون: "إن جيشاً من الأسود يقوده أرنبٌ سيفر، وجيشٌ من الأرانب يقوده أسدٌ سينتصر".

ــــ ما هي قدراتها وإمكاناتها؟ تتفاوت الدول من حيث: الإمكانيات الاقتصادية والعسكرية والعلمية والموقع ودرجة المناعة والخبرة التاريخية والكثافة السكانية ورقعة الأرض.

ــــ ما هي احتياجاتها ومخاوفها؟ تتمثل الاحتياجات في: حاجات اقتصادية وعسكرية وطموحات قومية أو دينية. أما المخاوف، فتتضمن: تأمين المصالح ورد الاعتداء.

ــــ ما هو محيطها وما علاقاتها به؟ إن تحركات أي لاعب دولي يوازيها تحركات أو احتمال تحرك لاعب أو لاعبين آخرين.

5ــــــ ما أثر تحركها على القوى الأخرى؟ في هذا الإطار، سمكن لنا ذكر التالي:

• رقعة الشطرنج العالمية أشبه بأحجار الدومينو/ أثر الفراشة/ الفوضى/ الأخطار.

• اللاعب الاستراتيجي يسعى لصياغة سياسة تؤدي إلى واحدة من ثلاثة أشياء مع الطرف الآخر:

ـــــ معادلته استراتيجياً: تحركات أميركا وروسيا في الحرب الباردة.

ـــــ مشاركته استراتيجيا: أمريكا وفرنسا في أفريقيا.

ـــــ السيطرة عليه: اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية.

وتأسيساً على كل ما سبق، يمكن لنا التأكيد على أن فهم العلاقات الدولية من حيث واقعها ومسارها ومستقبلها يحتاج إلى معرفةٍ دقيقة، وأدوات علمية محددة، وهذا لا يمكن أن نتحصل عليه إلا وفق اتباع منهجيات ونظريات علمية متينة، تلامس الواقع عبر رصد وتقييم أحداثه وتحليل تفاعلاته واستشراف مستقبلها.

بدون ذلك، نبقى في مساحة الرحى الفارغة من أي مضمون نافع أو دلالة واضحة. العلم يقربنا إلى ما نسعى إليه، وبدون ذلك نبقى عالة على فتات الآخرين. الأمة العربية والإسلامية تحوز على مقدرات وامتيازات لم تتحصل عليها امه أو حضارة أخرى في العالم، ولكن التبعية السياسية، والتراجع المعرفي، والخواء الثقافي يساهم في أن نبقى معتمدين على الآخرين، ليس في التقنية والأسلحة والصناعة وسواها، بل في الأفكار والمنهجيات كذلك. آن الأوان لأن نزيل عن كاهلنا العقلي هذا الموات المعرفي. لا يحق لأمة الإسلام التي دستورها القرآن أن تبقى على ناصية الطريق وهامش التاريخ في الفعل الدولي، لا تُؤثر بشيء، بل تتأثر سلباً بكل شيء.

* خبير في العلاقات الدولية، ومؤسس منتدى التفكير والبحث العلمي*

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة أرض كنعان الإخبارية