إزالة الصورة من الطباعة

مَنْ لِغزة، وغَزة لِمَنْ؟

في ساعات الصباح الأولى، صوت رنين الباب يرن في آذان النائمون، وإذ برجل في أواخر العقد الرابع، لم أراه منذ ثلاثون عام يقف وفي مامحه حيرة واضطراب، ويتمتم بتلعثم قائلًا: أريد الحديث معك دقيقة واحدة فقط، فقلت له تفضل ماذا تريد؟ فبدأ بسرد سريع قائلًا: أمي عجوز كبيرة، بلغ منها العمر عتيًا، وتعان من أمراض جمة، جائني خبر الأن إنهم نقلوها للمستشفى الأوروبي، وحقيقة لا يوجد معي ايجار الطريق للذهاب لها، وأوعدك أن أعيدهم اليوم بعد العشاء أو غدًا، فقلت له ماذا تريد؟ قال عشرون شيكل فقط، لم أفكر بروايته هل هي صحيحة أم مجرد حبكة منه، كل ما فكرت فيه وجال امام مخيلتي، هذا الانكسار لرجل في هذا العمر يتوسل مساعدة عشرون شيكل أي ثلاثة دولارات، وكيف لشعبنا في غزة أن يصول هائمًا شاردًا يبحث عن شيء يسد رمقه بعدما كان شعب إباء وعزة، وكرامة، وثبات، وصمود، فأحضرت له امبلغ فتلقفه كما يتلقف الأسد الجائع فريسته وولى، ووقفت ناظرًا له متأملًا هذا الشرود الرهيب من خجل الموقف، وتساءلت بصوت بالكاد مسموع من أوصل الرجال هذا الحال، ومن جعل دروبك يا غزة موحشة، وشواطئك متألمة، ورجالك شاردون تائهون؟!

فتركت الصورة ومضيت إلى هنا، إلى هذا الوضع الكارثي الذي يحيق بغزة، وبأهل غزة، وبشعب غزة، فمن السبب؟! ولماذا هذا الإجحاف والقتل البطئ لشعب صاد، مثابر، صابر؟ لماذا قتلوا عزة النفس برجالك غزة قهرًا، وجوعًا، وظلمًا، لجرم لم ترتكبه غزة وأهلها، ليدفعوا ثمن ديمقراطية مفخخة نصبت لهم بشركها، فأغضبت من انتصر، وأغضبت من انهزم، واجتمع الأثنان على الانتقام من شعب غزة، والضرب بمصير شعب غزة المغلوب على أمره.

غزة اليوم يقطع أوصال عزتها، ويمزقها بحر هائج من الضرائب المتكاثرة، والمتعاظمة، والمتلاحقة تباعًا، فالحكومة تزيد من سوط الضرائب، والبلديات تبتدع حلول أزماتها من قوت المواطن، والنقابات تزيد رفاهيتها من المواطن، والأسعار تتعاظم، والأعمال تشح، والرواتب المصدر الوحيد تستقطع تباعًا، وتجرم كقطعة اللحم لتبقي العظم عاريًا، لتبقى غزة في دورة حياة مستمرة من البطالة، والتسول، والعازة...

أدرك أن غزة بمسيرة ضياع، وأن المواطن يتعرض لإركاع، وأن المتنافسون يقهقهون مرددين كل طرف لآخر سنهزمكم، سنركعكم....

سأتوقف عن استكمال هذا المقال لأن غزة المذبوحة تقف اليوم شاهدة شاخصة صوب مقصلة الموت إذلال ... فعذرًا غزة إننا ضعفاء.... إننا عاجزون... عذرًا شعبنا فنحن تركناكم تواجهوا مصيركم، وانكفأنا لكتابة التحليل السياسي، حتى لا يغضب منا المنتصر والمهزوم، ولا يغضب منا المنتقمون ... فنحن مكسورون .... نتنفس الصمت أكسجينًا، ونتجرع الخضوع انهزامًا ... فعئرًا غزتنا ... عذرًا أيها الكهل، وأيها الشايب، وأيها الشاب، وعذرًا أيتها الأم والأخت والصديقة والجاره فكلنا أصبحنا عورات للزمن.

د. سامي محمد الأخرس

[email protected]