إزالة الصورة من الطباعة

محمد الفقيه.. المقاوم "الأنيق"

أرض كنعان - الخليل / بدلة أنيقه مع ربطة عنق، هكذا ارتسمت صورته التي اعتاد أن يخرج بها أمام الجميع، حتى وإن لم تتوافر الظروف نفسها إلا أنه كان حريصا على جمالية روحه كما أداءه المقاوم عندما قرر أن يسطر واحدة من أبهى عمليات المقاومة في استهداف الحاخام مخائيل مارك إبن خال رئيس الموساد الصهيوني في عمليته التي استجابت لدعوات القائمين في ليلة القدر.

ففي تلك الساعات، وعلى شارع رقم 60، كانت رصاصات محمد ترسم مشهدا مختلفا هذه المرة، مشهدا لم يستوعبه الاحتلال للوهلة الأولى، فالشخصية التي قتلها من أبرز الحاخامات الصهيونية، وزاد على ذلك أنه تمكن من مغادرة المكان دون أن تعيقه إجراءات الاحتلال على امتداد شوارع الخليل.

أيام معدودات قضاها الشهيد محمد الفقيه (29 عاماً) ما بين عمليته البطولية قرب مستوطنة "عتنائيل"، وما بين مشهد بطولي جديد رسمه في التصدي لقوات كبيرة من جيش الاحتلال التي حاصرت المنزل الذي يتحصن به، لتحوله إلى ركام بعد أن دكته القذائف الصاروخية، وجرافات الاحتلال، ليرتقي شهيدا "أنيقا" كما هي سيرته بين كل من عرفه.

حياة حافلة

ولد الشهيد محمد جبارة الفقية في مدينة دورا يوم 14-7-1987م ودرس في مدارسها، ليلتحق بجامعة النجاح الوطنية عام 2005م لدراسة التربية الرياضية، وفي 19-9-2006م تم اعتقاله من سلطات الاحتلال الصهيوني بتهمة الانتماء لحركة الجهاد الإسلامي والقيام بأعمال جهادية ضد الاحتلال، وعلى إثر ذلك حكم بالسجن خمس سنوات، وقد حفظ القرآن الكريم كاملا خلال فترة اعتقاله.

بعد اعتقاله بشهرين حوّل انتمائه من الجهاد الإسلامي إلى حماس، ليعيش بين أكناف إخوانه في سجون الاحتلال ويمضى ما تبقى من فترة اعتقاله وليفرج عنه في 10 نوفمبر2010، وليتنسم الحرية، إلا أن نار الاعتقال السياسي طالته كما العشرات من المقاومين، ليمكث مدة 50 يوماً في سجون أجهزة السلطة.

التحق، محمد مجدداً بالدراسة الجامعية، لكن هذه المرة في جامعة بولتكنك فلسطين بمدينة الخليل، وحصل على دبلوم إدارة أعمال، كما التحق بعد ذلك بجامعة القدس المفتوحة وحصل على بكالوريوس في ذات التخصص، ليبدأ بعد ذلك عملا رسميا في إحدى شركات الاتصالات الفلسطينية مسؤولا في إدارة المبيعات في الجنوب الفلسطيني، ولنباهته وكفاءته تم ترفيعه ليصبح مديرا للشركة في الجنوب.

تزوج المجاهد الفقيه في نوفمبر الماضي من فتاة ملتزمة من بلدة كفر ثلث قضاء قلقيلية، وسكن في بيت مستأجر بالقرب من المستشفى الاهلي في الخليل، وهو ينتظر مولوده البكر، ومنذ بداية هذا العام 2016م، تم استدعاؤه ثلاث مرات من أجهزة أمن السلطة واعتقل خلالها فترة أسبوع.

المقاتل الفريد

مخابرات الاحتلال أعلنت منذ البداية أن منفذ عملية عتنائيل لم يكن شخصا عاديا؛ فبالرغم من امتلاك معظم المعلومات حول محمد الفقيه إلا أنها فشلت في اعتقاله لمد (28 يوما)، وهي الفترة الواقعة بين 1-7 وحتى 28-7، وهي ذات الفترة التي تمت فيها محاصرة الخليل من أقصى شمالها إلى أقصى جنوبها ومن الجهات الأربع، وفرض الاحتلال طوقا أمنيا شاملا وأغلق مداخل قراها وبلداتها ومخيماتها كافة، ونفذ عمليات تفتيش واقتحامات واسعة وخاصة مدينة دورا وقراها من أجل اعتقاله.

ومحمد الفقيه لم يكن مطلوبا لقوات الاحتلال، وعندما برز اسمه كمخطط ومنفذ لعملية عتنائيل فاجأ أسرته وفاجأ أجهزة الشاباك، بالرغم من أنه كان أسيرا محررا لعدة مرات في سجون الاحتلال.

الشهيد الأنيق

محمد التميمي أحد رفاق الشهيد الفقيه في العمل يقول لمراسلنا، إن محمد لم يتعامل معهم كمسؤول يلقي الأوامر، بل كان يعاملهم بالحسنى والأخلاق الرفيقة، ويجعلنا نحافظ على أداء عملنا بنجاح.

يتابع: "كنا نرى في محمد الفتى المخلص الملتزم بعمله ودينه، فكان عندما يحين موعد الصلاة يحمل سجادة صلاته ويتوجه مباشرة لأداء الصلاة، ثم يعود لعمله".

ويقول الصحفي عبد الرحمن عوض في تدوينة له "محمد رافقته في السجن، كان شخصا يحب الجمال والأناقة، ودائما كان شخصا مرتبا، فقد عاش جميلا واستشهد في غاية الجمال".

وفي حي غنيم على مدخل مدينة دورا، وفي بيت متواضع تجلس أم حسين (76 عاما) والدة الشهيد محمد الفقيه وهي تدعو الله له بالمغفرة والرحمة، تقول "الله يرحمك يا محمد، الله يجمعني فيك بالجنة"، لم تستطع الحاجة المكلومة إكمال دعائها لتجهش بالبكاء حزنا على فراق فلذة كبدها.

وحول أخلاق محمد وعلاقته بأسرته، قالت أم حسين ، "محمد كان حافظا للقرآن يجلس بجنبي ويقرأ على رأسي القرآن، وشو أطلب منه كان يأتيني به دون كلل أو ملل، كان يوميا يزورني بعد انتهاء عمله قبل أن يذهب لبيته"، بلهجة كلها ثقة وحماسة تقول: "محمد في الجنة، محمد شهيد".

الشقيق الأكبر لمحمد، حسين كان يقف بين الرجال يستقبل التعازي باستشهاد شقيقه، يقول "محمد كان إنسانا طبيعيا، لم يظهر على ملامحه أي شيء، كان ملتزما بوظيفته، ولا يتغيب عن دوامه بتاتا، كان ملتزما بدينه وصلاته، كان يأسرنا جميعا بطيبة أخلاقه".

يضيف في حديث لمراسلنا، "بعد الأحداث الأخيرة، والاقتحامات المتكررة لمدينة دورا تم مداهمة منزلنا عشرات المرات، والبحث عن محمد رسميا، وهددنا الاحتلال باعتقال الأسرة جميعها، وللضغط علينا تم اعتقال شقيقتي تغريد، وما تزال قيد الاعتقال، يكفينا فخرا أن محمد قاتل بشرف واستشهد بشرف في زمن عز فيه الرجال".