محكمةُ عدل تمشي على الأرض

"الحاج مرازيق" الرجل الذي حقن دماء غزة.. هذه قصته كاملة!

أرض كنعان - غزة - 

عندما يرحل العظماء ورجال الإصلاح تنطفئ منارة كبرى كانت ترسل إشعاعات خيرها ونورها في ربوع العالمين، عندما يرحل العظماء تنفطر لذهابهم القلوب، لكونهم ركن من أركان المجتمع وصمام أمان لحياة البشرية، الحاج مرازيق أبو مغصيب (أبو كمال) وأحدٌ من الرجال الذين ودعتهم فلسطين بالدماء وليس بالدموع؛ حسرة وألماً على رحيله.

الحاج مرازيق (82 عاماً) صاحب السيرة الزكية العطرة رحل بعدما أحيا بين أبناء شعبه العدل والتسامح والخير، رحل بعدما بذل الغالي والنفس للإصلاح بين الناس وتقريب الآراء ووجهات النظر بين المتخاصمين خدمة لأبناء شعبه، حتى وصفه بعض رجال الإصلاح بانه "محكمة" من العدل والانصاف تمشي على الأرض.

الحاج مرازيق ولد في العام 1936 مواليد قضاء بئر السبع هُجِرَ قسراً مع عائلته في العام 1948 إلى قطاع غزة، وعمل في ريعان شبابه في مهنة "الخياطة"، ثم سافر للعمل إلى السعودية في العام 1962م وعاد إلى قطاع غزة في العام 1964م، وعمل لفترةٍ وجيزة في الزراعة، ثم تفرغ للعمل العشائري والعرفي لإصلاح ذات البين، ورزقه الله بـ 15 أبناً.

ويعتبر الحاج مرازيق أبرز قاضي عشائري في قطاع غزة، حيث تولى حل القضايا المعقدة والتي كانت تستعصي على المحاكم النظامية حلها، مثل قضايا الدم، والقصاص، والمواريث، الأمر الذي أكسبه شهرة تخطت حدود القطاع إلى الضفة المحتلة والمدن المحتلة عام 1948 والأردن وسيناء.

الأمر لم يتوقف عند حل الحاج مرازيق لبعض القضايا بل إن المحاكم النظامية والأجهزة الأمنية وقيادات العمل الوطني أمثال ياسر عرفات وأحمد ياسين كان يحولون له بعض القضايا للبت فيها، حتى بات يفصل باليوم الواحد في 11 قضية على الأقل.

"

من مقولاته: "العدالة البطيئة ظلم"، وقوله "والله لو الحق ليهودي والحق على أبي لأقول الحق وانصف ذاك اليهودي على أبي"

"

لقد مثَّل الحاج مرازيق مدرسة قضائية فكرية كبرى متكاملة الأبعاد والزوايا، وموسوعة عرفية شاملة طبعت بصماتها المؤثرة في كل مكان، وتركت آثارها العميقة في حياتنا كمجتمع قبلي وعشائري.

وقد شّيد الحاج مرازيق أبو مغصيب ديوانه أمام منزله الصغير والبسيط، عريشة يبسطها ذلك الرمل الذهبي المنقى، والذي يحتل موقد النار التي تحتضن الدلة، قهوته العربية الأصيلة التي قلما تخمد تلك النار من حين لآخر جزء من تلك العريشة التي تتصف بالعراقة والأصالة والتاريخ، والتي مارس عمله التطوعي والإنساني لخدمة أبناء شعبه وحل خلافتهم من خلالها بما يرضي الله، على مدار عقود طويلة، وذلك المصلى الذي شيده لأداء فريضة الصلاة بمواعيدها هو وضيوفه حين يعتلي الآذان، وذلك المذياع الأثري الذي يقطن بجواره ليعلم من خلاله ما يدور في عالمنا من أحداث وأخبار.

أتصف الحاج مرازيق أبو مغصيب بكاريزما الذكاء والدهاء الفطري، كذلك الانصات باهتمام ليزن بعناية فائقة كل كلمة تقال من الحاضرين خلال حله للقضايا حيث يستمع ويقرأ بعيناه وجوه الحاضرين، عله يبحث فيها عن الحقيقة والحق المراد، ليضع الحق لهم ولا مجال لأحد بأن يشكك في قراراته وإن كانت مخالفة لأحدهم، ليحفظ على مدار الزمان والمكان وصية والده التي أوصاه له بعدم تقاضي أي مال نظير عمله.

من المقولات الشهيرة للحاج مرازيق قوله "والله لو الحق ليهودي والحق على أبي لأقول الحق وانصف ذاك اليهودي على أبي"، وقوله "العدالة البطيئة ظلم"، الأمر الذي يضعنا أمام ظاهرة نبيلة من القضاء العشائري وتعود بنا إلى زمن الخلفاء الراشدين وعدلهم بين الناس.

الحاج مرازيق لم يكن يداهن أو ينافق أو منحاز لغير الحق، إذ في أكثر من مرةٍ حُكِمَ بين ناس وأبنائه فاقتص من أبنائه لصالح الناس، وكان عندما يقع الحق على عشيرته يبادر إلى ادانة بعض الأفعال ليحق الحق ويعدل العدل، الامر الذي يضعنا أمام رجل فريد من نوعه.

يقول ابنه الأكبر المختار كامل "أبي كان همه الوحيد في هذه الدنيا تقريب وجهات النظر، وإصلاح ذات البين، قضى جلَّ عمره في الإصلاح وإحقاق الحق، حتى أثناء مرضه وكسر حوضه ظل يمارس الإصلاح بين الناس".

وأضاف كامل: كان والدي يواصل الليل بالنهار للإصلاح بين الناس، في العديد من الأيام لم يكن ينام الليل وهو يفكر في حل قضية أو مشكلة ما، كنت أستيقظ لصلاة الفجر فأجده جالساً يفكر في بعض القضية.

وتابع: من الصفات التي كان يتحلى بها والدي الإخلاص في عمله، وتحري الحق والعدل والشرع، وكان كثيراً ما يتواصل مع رجالات الدين والفقه والشريعة للوقوف على رأي الشرع في قضية ما.

وأشار كامل إلى أنَ أبيه اكتسب سيطاً واسع النطاق لإنجازه الحلول السريعة، إضافة لقدرته على خلق حلول توفيقية، إضافة لعدم قبوله أي عائدات مالية من وراء عمله فلم يكن يقبل "الرزقة" وهي مبلغ مالي يقدم لبعض المخاتير مقابل حلهم بعض القضايا.

ولفت إلى أن والده لم يستنكف يوماً واحداً عن إغاثة الملهوف او صاحب حاجة، حتى بعد اصابته بمرض السكري وبعدما كُسِرَ حوضه، كان يجلس على جنبه ويحل قضايا الناس.

المختار محمد أبو عمرة رئيس لجنة الإصلاح في رابطة عشيرة أبو عمرة واحد من الذين تربطهم علاقة وثيقة بالحاج مرازيق، إذ يقول فيه "لقد فجعنا برحيل الحاج مرازيق، لقد رحل رجلاً من الرجال القلائل الذين أرسو العدل والحق وقواعد العمل العشائري في فلسطين (..) رحل الحاج مرازيق جسداً وبقي روحاً ومدرسةً في العدل يسير على نهجه المخاتير ورجال الإصلاح".

 وأشار المختار أبو عمرة إلى أن الحاج مرازيق واحد من أكبر ثلاثة رجال في القضاء العشائري في قطاع غزة، لافتاً إلى أنَّ الحاج مرازيق، وأبو يوسف شماس، وأبو صلاح أبو هولي، من أكبر قضاة قطاع غزة الذين يفصلون في الدماء والقصاص والمواريث.

وبين المختار أبو عمرة أن الحاج مرازيق حلَّ آلاف القضايا المتعلقة بالحقوق، واستطاع حل القضايا المعقدة التي لم تستطع المحاكم النظامية إنجازها، مشيراً إلى ان بعض القضايا لم تكن تتجاوز معه نصف الساعة.

 وأوضح أن الرجل اكتسب سيطاً واسعاً في السبعينيات وابان انتفاضة الحجارة، في ظل غياب سلطة نظامية فلسطينية في ظل الاحتلال الإسرائيلي.

وذكر أن مرازيق كان يتصف بعددٍ من الصفات التي أكسبته السمعة الحسنة، إذ كان يتمتع بخلق الصبر، والاناة، والحلم، والحكم، والبذل، وكان نظيف اليد واللسان، وكان محل تقدير من قبل القيادات الفلسطينية مثل الرئيس ياسر عرفات "أبو عمار"، الذي كان يحيل له بعض الملفات لحلها.

وشهدت جنازة تشييع الحاج مرازيق مشاركة فلسطينية كبيرة، وأمَّ بيت العزاء قيادات وطنية رفيعة من بينهم رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية، وعضو اللجنة التنفيذية السابق في منظمة التحرير الفلسطينية، الدكتور زكريا الاغا، وقيادات وزانة من حركة الجهاد الإسلامي وباقي القوى الفلسطينية.

مشاهد من تشييع جثمان الحاج مرازيق ابو كمال

الحاج مرازيق ابو مغصيب
 

تم ارسال التعليق