بعد 82 عاماً.. “فصيل الموت” ما زال يرعب الاحتلال في عزون

أرض كنعان - غزة - في شارع 55 الاستيطاني تدب الانفجارات مجدداً معلنة عودة أحفاد فارس العزوني، الذين لم يغيبوا يومياً عن ثغور بلدتهم عزون، التي ستتحول مرة أخرى لساحة معركة بين قوات الاحتلال وشباب البلدة، لن يكون فيها الحجارة السلاح الوحيد، فنار معركة وادي عزون ما زالت مشتعلة منذ صد حملة نابليون.

ففي بلدة عزون شرق قلقيلية، تتصاعد مجدداً وتيرة المواجهات مع قوات الاحتلال انطلاقاً من شارع 55 الاستيطاني المقام على جزء من أرض البلدة، حيث يسدد الشبان عبواتهم المتفجرة تجاه مركبات المستوطنين وجيش الاحتلال، معلنين ألّا أمان مجاني للمحتل على أرضهم، و مؤكدين مرة أخرى أنهم ما زالوا عصيين على الكسر.

عزون.. هدوء ما قبل العاصفة

12 تشرين ثاني الجاري، يعلن جيش الاحتلال إصابة أحد المستوطنين بحجارة الشبان خلال مروره من الشارع الاستيطاني، فيما تتوالى أخباره عن عمليات إلقاء الحجارة والعبوات المتفجرة، المستمرة بعد تمكن الشبان من الوصول إلى الشارع ثم الانسحاب بأمان رغم السياج الذي ينصبه الاحتلال ونشر قواته وكاميراته في محيط البلدة.

المواجهة تشتد مجدداً في عزون بعد شهور من “هدوء ما قبل العاصفة” – كما يصفه أهالي البلدة –  وخاصة بعد شهر آذار وما شهده من تصعيد في مواجهة الاحتلال، تخللها تنفيذ عمليات عدة على شارع 55 الاستيطاني، تمكن الشبان إثرها من إشعال النيران في إحدى مركبات المستوطنين، فيما رد الاحتلال بفرض سياسة العقاب والردع عبر إغلاق مداخل البلدة الرئيسة مدة 28 يوماً، وتصعيد اقتحاماته ومداهماته للبلدة ومنازلها.

إلا أن المقاومة في عزون متواصلة على وتيرة واحدة، منذ بداية انتفاضة الأقصى عام 2000، والتي وصف خلاله الاحتلال البلدة بـ “خزان المقاومة”، الخزان الذين ضخ كوادره البشرية ومقوماته المادية للمقاومة، معلناً من عزون نقطة المواجهة المشتعلة رغم الهدوء الذي يحاول الاحتلال فرضه من عزل وفصل للبلدة عن محيطها.

تشرين أول.. تجدد المواجهة

15 تشرين أول الجاري، فيديو آخر يوثق اشتعال النار في أحد جيبات جيش الاحتلال خلال المواجهات عنيفة المستمرة التي شهدتها عزون يومياً، فبعد حلول المساء في كل ليلة يقتحم الاحتلال بقوات كبيرة وآليات عدة البلدة، ويغلق مداخلها كافة، محاولاً ملاحقة منفذي عمليات إلقاء الحجارة والأكواع على شارع 55 الاستيطاني.

وفي اليوم التالي، بلغت اقتحامات الاحتلال ذروتها باقتحام 20 منزلاً في البلدة، تخللها تفتيش وتخريب متعمد وإخضاع الأهالي للتحقيقات الميدانية، حسن شبيطة من دائرة العلاقات العامة في بلدية عزون، قال لـ قدس الإخبارية، إن قوات الاحتلال اعتقلت خلال الأيام الثلاثة الأخيرة 10 فلسطينيين من البلدة، من بينهم الشاب مهدي فاروق أبو هنية – من ذوي الاحتياجات الخاصة، والطفل محمد عماد راجح شبيطة (11 عاماً)، والذي أفرج عنه بعد ساعات من التحقيق.

وأضاف أنه بين الساعة السابعة والثامنة مساءً يبدأ الاحتلال بفرض سياسة الردع التي يمارسها يومياً بحق أهالي البلدة بعد كل عملية إلقاء حجارة تنفذ على شارع 55 الاستيطاني، فيدفع بقواته على متن 10 آليات عسكرية ويغلق مداخل البلدة، فيما يبدأ الشبان بالتصدي للاقتحام، “تطلق قوات الاحتلال وابلاً من القنابل الغازية والصوتية ويتعمد استهداف المنازل، كما يطلق الرصاص.. فتتحول عزون إلى ساحة حرب بين الشبان وقوات الاحتلال”.

وبين أن قوات الاحتلال حاولت دهس مجموعة من الشبان خلال جلوسهم في إحدى المقاهي، فيما تتعمد خلال اقتحامها المنازل إلحاق أضرار مادية في المنازل ومحتوياتها والاعتداء على العائلات، فيما يكرر أحد ضباط الاحتلال في كل اقتحام، مهدداً ومتوعداً: “بدنا نربيكم يا أهل عزون”.

عدد أسرى عزون في سجون الاحتلال ارتفع إلى نحو 100 أسير، ويشير شبيطة إلى أن قوات الاحتلال اعتقلت منذ بداية العام 23 طفلاً، من بينهم أربعة ما زالوا في سجون الاحتلال ومن المتوقع أن تصدر محاكم الاحتلال أحكاماً عالية بحقهم، إذ لفقت لهم لوائح اتهام تمحورت حول تهم إلقاء الحجارة، “الاحتلال يركز على اعتقال أطفال عزون بهدف إرهابهم وتخويفهم وقتل روح المقاومة لديهم… هو يحاول وضع حد للمقاومة في عزون ومحاولة قتلها في الأجيال القادمة.. هناك أسرى اعتقلوا أطفالاً من عزون وما زالون في سجون الاحتلال يقضون أحكاماً تصل إلى 14 عاماً”.

من جهة أخرى، يفرض الاحتلال إجراء “المنع الأمني” على 1500 فلسطيني في البلدة، فيمنعهم من زيارة أبنائهم أو أقاربهم الأسرى في سجون الاحتلال، كما يمنعهم من العمل داخل الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1948، ما أدى لرفع البطالة في البلدة إلى 34%، ويبين شبيطة أن الاحتلال يمنع أهالي البلدة من الوصول إلى أراضيهم المسلوبة خلف الجدار.

أحد الأسرى السابقين من البلدة – تحفظ على ذكر اسمه تحسباً لملاحقة الاحتلال – أكد لـ قدس الإخبارية أنه ومنذ انطلاق انتفاضة القدس عام 2015 كان هناك عدد من الشبان مطاردين ومطلوبين لجيش الاحتلال، وقد استمر بملاحقتهم شهور عدة، فيما كانت الأجهزة الأمنية تلاحقهم أيضاً، قبل أن يتم اعتقالهم، مشيراً إلى أن شباب البلدة يرفضون الخضوع لاستدعاءات التحقيق، كما أنهم يرفضون التواجد في منازلهم والاستسلام لأوامر اعتقالهم من قبل جيش الاحتلال.

وأشار إلى أن عمليات اطلاق النار نحو شارع 55 الاستيطاني انخفضت بسبب عمليات الملاحقة التي يقوم بها جيش الاحتلال والأجهزة الأمنية الفلسطينية لمقاومي البلدة، مشيراً إلى أن الاحتلال قبل ثلاثة أعوام أمر بإغلاق مركز الشرطة الفلسطينية في البلدة وانسحابها بعد عام على افتتاحه، وذلك بعد فشلها في وقف عمليات المقاومة التي ينفذها مقاومي البلدة في شارع 55 الاستيطاني.

عزون.. البلدة التي صدت حملة نابليون

“جبل النار” لقب الانتصار في معركة “وادي عزون” العظيمة التي نجح الفلسطينيون خلالها بصد حملة نابليون وقتل قائد الجيش “دوماس”، ويتداول أهالي البلدة أبياتاً للشاعر إبراهيم طوقان، يصف فيها معركة “وادي عزون، فيقول:

سائل بها عزون كيف تخضبت

بدم الفوارس عند بطن الوادي

مشت الرجال إلى الرجال كأنها

قمم الجبال تميد بالأطواد

كسروا من النسر الكبير جناحه

للتاج للأعلام للأجناد

تركوه يجمع في الشعاب فلوله

ويصب لعنته على القواد

ففي وادي عزون وأثناء حملة نابليون وبعد احتلاله مدينة يافا، اتجه نحو عكا وقد أرسل سرية من جيشه التي اشتبك مع الفلسطينيين، وقد قُتل “دوماس” على يد عابد المريحة من أهالي عزون الذين حاصروا جيش نابليون في الواد وأشعلوا النار في الأحراج التي تحيطهم، ليهرب الجنود مذعورين إلى يافا، وكانت معركة “وادي عزون” المعركة الفاصلة التي رد نابليون عن فلسطين.

عزون والثورة الفلسطينية 1936- 1939

26 حزيران 1936، تجددت معركة جديدة في وادي عزون، ولكن هذه المرة بين أهالي البلدة وجيش الاستعمار البريطاني الذي استخدم الطائرات والدبابات، وقد ارتقى في المعركة خمسة فلسطينيين من بينهم فاطمة غزال التي كانت تنقل الماء والخبر للثوار.

وفي عام 1937، أطلق يونس الشايب – أحد أهالي عزون – النار  على سمسار عربي في يافا، لتورطه بتسريب العقارات الفلسطينية لليهود، وقد حكم الاستعمار البريطاني عليه حينها بالإعدام، وخط على ضريحه:

سقى الله رمساً حل فيه مجاهد‘‘ شهيد‘‘ غدت أعماله خير مؤنس

فدا وطنٍ غالٍ يقهر العدا ويشكو إلى القهار من متجسس

لقرية عزون الآبية ينتمي وفيها له ذكر‘‘ لعمرك مانٍسى

فوافته بشرى تؤرخ زاهراً هي الحور‘ ز‘فت لإسعاد يونس

ويروي أهالي البلدة أنه إثر قدوم لجنة التحقيق بإضراب عام 1936 إلى فلسطين، حضرت إلى عزون وحاولت إقناع الأهالي بأهمية الاعتماد على بريطانيا، فرد الشيخ مصطفى السرور –أحد أهالي البلدة-: “من جرب المجرب كان عقله مخرب”، كما ويتناقل أهالي البلدة ما تعرضوا له من عمليات تنكيل على يد المستعمرين البريطاني والصهيوني، من اقتحامات للمنازل والدواوين وتفجيرها، انتقاماً من مقاومة البلدة.

فارس العزوني ما زال حياً:

في صيف 1938، قرر الثائر فارس الحواري العزوني الهرب من سجن عكا حيث كان يقضي حكماً بالسجن المؤبد الذي صدر بحقه لقتله والشهيد مصطفى سويدان رجلاً في اللد كان يبيع السلاح المغشوش إلى المقاومين ثم  يسرقه منهم تحت تهديد السلاح وسرقة أموالهم، ليصدر الاستعمار البريطاني حكما بإعدام مصطفى، وسجن فارس مدى الحياة، والذي كان حينها يبلغ من عمره 16 عاماً، إلا أنه هرب من السجن بعد عامين للخوض في الثورة الفلسطينية، وقد شكل فصيل ثوري عُرف باسم “فصيل الموت”، وقد جند في الفصيل أبناء بلدته والبلدات المجاورة، وفصل عددهم إلى مئتي ثائر، من بينهم محمود أبو غزالة ابن الشهيدة فاطمة التي استشهدت في معركة وادي عزون عام 1936.

ضبط فارس فصيله بالتدريبات العسكرية وتوزيع المهام القتالية من بينها المهمام العسكري كالاغتيالات، وعُرف عنه اتخاذ لباس عسكري موحد لفصيلة، إذ قلدوا لباس الثوار السوريين – اللباس الكاكي، الحذاء البني الطويل، الشروال الواسع- وكان فارس يحمل مسدسين، وحرص على ملاحقة أبناء عائلته وبلدته للتأكد بعدم ارتباطهم بالاستعمار البريطاني.

وقام فصيل الموت بإعدام العملاء المتورطين بالعمل مع المستعمر، كما زرع الطرق بين نابلس وقلقيلية بالألغام، ويقول المقاتلان في الفصيل – عبد الخالق سويدان ومحمد كايد سويدان – أن تفجير أحد الألغام قرب عزون أدى لتدمير دبابة بالكامل وقتل ثمانية جنود بريطانيين واغتنام أسلحتهم وذخائرهم.

فيما تروي زوجة فارس، أنه شارك في عملية كفر لاقف والتي قتل فيها مجموعة من الجنود والضباط البريطانيين وتم اغتنام أسلحتهم.

فيما كانت أولى العمليات التي نفذها فارس عندما تسلل إلى مستعمرة “مجدييل” التي أقيمت على أرض قرية بيار عدس قضاء قلقيلية، وقل قتل خلال ثلاثة من حرس المستعمرة وجرح اثنين آخرين، قبل أن ينسحب من المكان، كما شارك في عملية “رأس العين” التي قتل فيها 12 جندياً وضابطاً بريطانياً، إضافة لمشاركته في معارك عدة كان من بينها معركة تحرير القدس، فيما سعى وخطط لاغتيال كلوب باشا لدوره ملاحقة الثوار وعرقلة وصولهم إلى فلسطين.

واصل الاستعمار البريطاني ملاحقة “فصيل الموت” واغتيال عناصره، فيما نجا فارس الحواري من محاولات عدة، كما نجح بالتخفي والتنقل السريع، حتى أدلى متورطون مع المستعمر بمكان وجوده في طرابلس – لبنان، ليسلمه في عام 1939 الاستعمار الفرنسي إلى الاستعمار البريطاني في فلسطين، ونقل مجدداً إلى سجن عكا حيث سيحاكم، وخلال إحدى جلسات المحكمة سأله المدعي العام البريطاني: ألا تطلب الاسترحام؟

ضحك فارس وقهقه: لا لن أطلب الاسترحام.

المدعي العام: وهل تفضل الموت على الحياة؟

فارس: نعم وسأبقى أحارب الاستعمار من داخل قبري، ولوكان معي مسدس لأفرغته في رأسك الاّن.

ونفذ الاستعمار البريطاني حكم الإعدام بحقه بعد أسبوع من اعتقاله، فيما أصدر أحكاماً متفاوتة على الثوار الذين كانوا معه، وغنت نساء عزون حزناً على استشهاد فارس الحواري العزوني:

قلن انكسر ريح المراكب         وانكسر مركب نحاسي

خسارة يا أبو معروف            يا قايد كل الناس

قلن انكسر ريح المراكب       وانكسر مركب ذهب

يا خسارة يابومعروف            يا قايد كل العرب

قلن إنكسر ريح المراكب         وانكسر مركب حديد

تم ارسال التعليق