الذكرى السنوية الـ 12 لأسر شاليط

أرض كنعان - غزة - 

في مثل هذه الأيام قبل 12 عاما، نجحت المقاومة الفلسطينية في تنفيذ عملية أسر الجندي الإسرائيلي غلعاد شاليط، خلال عملية مسلحة جنوب قطاع غزة، أطلقت عليها اسم "الوهم المبدد" بتاريخ 25/ 6/ 2006، حيث بقي في أسر المقاومة مدة خمس سنوات، حتى نجحت في إبرام صفقة تبادل عام 2011، أطلق بموجبها سراح أكثر من ألف أسير فلسطيني، معظمهم من أصحاب الأحكام المؤبدة.

يأتي لجوء المقاومة إلى عمليات أسر الإسرائيليين، جنوداً ومستوطنين، في طور إحياء استراتيجية ثابتة اعتمدتها منذ زمن بعيد، لا سيما أنّ هناك عوامل متعدّدة من شأنها أنْ تساعد في اعتماد هذه الاستراتيجية. وفي الوقت ذاته، هناك عوامل تعترض سبيل تطبيقها بالشكل المطلوب.
يعدّ أسر الجنود من قِبَل المقاومة استراتيجية ثابتة، فالسنوات التي سبقت وتلت أسر شاليط، شهدت محاولاتٍ عدَّة؛ منها ما نجح ومنها ما فشل، ومن العوامل الأساسية التي تدفع لاعتماد مثل هذه الاستراتيجية من قِبَل المقاومة، قضية الأسرى الذين تحتجزهم سلطات الاحتلال في سجونها، لا سيّما أنّ أعدادهم كبيرة، وهناك جزءٌ منهم من أصحاب الأحكام المرتفعة.. ولا يمكن أنْ تفرج "إسرائيل" عنهم بسهولة إذا لم يكنْ هناك ثمنٌ مقابل. 

تبقى إمكانية تطبيق هذه الاستراتيجية على الواقع الفلسطيني وإمكانية التحكّم بها مرتبطة بمجريات إدارة القضية من قِبَل المقاومة أمنيّا وسياسيا بذكاء، وضمن جغرافيا آمنة وشديدة السرية يمكن أنْ تُتَوّج بتسجيل نجاحٍ استراتيجي، وهو الإفراج عن الأسرى.

في الوقت ذاته، يبدو من الصعب الاعتماد على أسر الجنود أساساً في عمليات المقاومة بشكل كامل، إذْ إنّ هناك عوامل مهمّة في هذا الجانب، تتمثّل أولا في طبيعة التركيبة الجغرافية للأراضي الفلسطينية في الضفة أو القطاع، التي لا تساعد لسهولة إخفاء المختَطَفين من قِبَل الاحتلال، أو حتى إمكانية نصب كمائن للاختطاف.
عمدت المقاومة إلى اعتماد وسائل متنوعة في أسر الجنود والمستوطنين، منها قتل الجنود والاحتفاظ بجثثهم، وبذلت حركات المقاومة جهوداً حثيثة للنجاح في أسر جنود، واحتجازهم كرهائن؛ بهدف استبدال معتقلين بهم.
قدرت مصادر عسكرية إسرائيلية أن حركة "حماس" تقوم بصورة دائمة بجمع معلومات عن تحركات الجنود وتنقلاتهم المختلفة، ونتيجة لذلك اشتعلت في أوساط المؤسسة الأمنية والعسكرية تحذيرات حقيقية تتعلق بنوايا تسلل أفراد من أجنحة المقاومة إلى قواعد عسكرية واحتجاز قادة وجنود من داخلها كرهائن، وانسجاماً مع ذلك يقوم الجيش بين الحين والآخر بتحذير جنوده من مغبة السفر في سيارات مشبوهة.

شكلت عملية أسر شاليط تحولاً نوعياً من النواحي العسكرية والأمنية والميدانية في عمل المقاومة، سواء بالطريقة التي اتبعتها بتنفيذ العملية، أو النتائج الخطيرة التي أسفرت عنها، ولعل النتيجة الأهم لهذه العملية هي نجاح المقاومة في أسر الجندي الإسرائيلي، وإخراجه من ساحة المعركة "حياً يرزق"، ما فتح الباب على مصراعيه لسيناريوهات تنبأ بها المحللون الإسرائيليون، حتى قبل إبرام صفقة التبادل.
لقد نجحت عملية الأسر منذ اللحظة التي تمكن فيها المقاومون من تنفيذ عمليتهم في قلب الموقع العسكري الإسرائيلي، وقتل وجرح عدد من الجنود، وتمكنهم من اقتياد أحدهم حياً يرزق على أقدامهم إلى داخل قواعدهم بأعصاب هادئة أثارت أعصاب جنرالات "إسرائيل".
إضافة إلى احتفاظ المقاومين بالجندي حياً يرزق أكثر من خمس سنوات متواصلة بلياليها في بقعة جغرافية كقطاع غزة لا يتجاوز طوله أربعين كيلومتراً، فيما الاحتلال يمتلك أقوى أجهزة المراقبة وأدوات التنصت وطائرات الاستطلاع، ويعجز عن تحديد مكان جنديه الأسير.

هناك نجاح آخر للمقاومة، يتمثل في إدارة حرب أعصاب حقيقية مع الاحتلال منذ اليوم الأول، من خلال الشح المقصود بالمعلومات، وتوتير نفوس قادة الجيش الإسرائيلي، فيما تبدي حكومتهم تعطشاً مذلاً لأي معلومة مهما كانت صغيرة.
وفي الوقت الذي تعودت فيه "إسرائيل" إطلاق التهديدات والإنذارات، فيما الفلسطينيون عليهم الاستجابة لها والتراجع في اللحظة الأخيرة، تمسك المقاومة هذه المرة بزمام المبادرة، وتطلق إنذاراتها، وتمهل الجيش، وإلا سيطوى ملف الجندي.

لقد تمكنت المقاومة من دخول ساحة العدو، وإحداث هذه الاختلافات العلنية بين أركان المؤسسة العسكرية والأمنية، بحيث تبادل الجنرالات والوزراء الاتهامات حول التقصير الذي مكن الفلسطينيين من تنفيذ عمليتهم تلك، واستمر هذا السجال حتى يومنا هذا بعد سبع سنوات من إبرام صفقة التبادل وإطلاق سراح شاليط.
أخيرا.. فرغم أن الساسة والعسكريين الإسرائيليين أكدوا منذ اللحظة الأولى لأسر شاليط أنهم لا يمكن أن يرضخوا لما يسمونها ابتزازات "حماس"، حين قامت بأسره، من أجل المساومة عليهم، إلا أن السنوات التالية لعملية الأسر أكدت أنهم أجروا مفاوضات مع المقاومة الفلسطينية مرات ومرات، وبعد أن كان مبدأ المساومة معها ضرباً من المستحيل بنظر الإسرائيليين، فقد شكل الخضوع لمطالبها في نهاية الأمر نوعاً من الانكسار الكبير.

تم ارسال التعليق