ما بين غافلٍ وعاقل يكمن الفرق في تفعيل "آلة الاعتبار"

تقرير - مريم الشوبكي

يقول ابن عطاء الله: "الغافل يستيقظ في كل يوم يقول: ماذا سأفعل؛ أما العاقل يستيقظ كل يوم ليقول: ماذا سيفعل الله بي". 

إن الدنيا ليست مقياسًا لرضا الله أو غضبه، فإذا حرمك جل وعلا من بعض عطايا الدنيا لا تحزن، ولو أعطاك منها الكثير هذا لا يعني أنه راضٍ عنك، فالعبرة بقلبك أنت! شاكرًا إذا أعطاك الله بكرمه، وصابرًا إذا منع الله عنك من الدنيا.

وهذا يعني أن تُفعّل آلة الاعتبار وهو "القلب"، فتلك الأزمات والمشاكل التي تحدث لك يوميًا يجب أن تتوقف مليًا عندها؛ وتُفّعِل آلة الاعتبار، ربما هناك عيب في شخصيتك يحتاج إلى إصلاح؛ ربما هناك مسألة أخرى تستحق أن تنتبه لها، أي أن ذلك يتطلب من المسلم أن يتفكر ولا يدع الأحداث تمر بسطحية.

الدين لمن يحب


يقول الأستاذ المساعد في كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية الدكتور عاطف أبو هربيد: "إن الانسان قُدّر له السعادة والشقاء منذ كان نطفة، حيث يرسل الله الملك في الشهور الأولى للحمل فيكتب كونه سعيدا أم شقيا؛ إلى الجنة أو النار؛ وإن لله سبحانه وتعالى سننًا في خلقه لا تؤخر عاصيًا ولا تقدم مؤمنًا، قدّر لهم الله ما يصيبهم وأرزاقهم، والإنسان قد يبتلى بالخير وبالشر".

وأضاف أبو هربيد أن الله يعطي الدنيا لمن يحب ومن لا يحب، ولكن لا يعطي الدين إلا لمن يحب؛ مشيرًا إلى إن مِن الناس مَن قد يغترّ بما أنعم الله عليهم دون أن يدرك أهذه نعمة أم ابتلاء.

وبين أن الأمة الإسلامية مدعوة إلى أن تعتبر بما صار مع الأمم السابقة الكافرة، فقدر الله أن يفنى هؤلاء مثل قوم عاد و فرعون، وإننا ندرك بأن السلطان الذي بلغوا إليه لم يكن محبة لأنه جاء بهلاكهم.

ولفت أبو هربيد إلى أن أمة الإسلام اختارها الله أن تكون خير الأمم؛ وأنزل لها خير رسالة واختار لها خاتم المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، وها هي اليوم في ضعف ومذلة وقد تجبرت عليها أفسد الأمم، لذا القضية ليست مرتبطة بالسلطان والقوة، وإنما العبرة بمدى قربها وارتباطها بالله. وأوضح أن الله إن أحب عبدا ابتلاه إلا أنه ليس كل مبتلى محبوبًا؛ فقد يكون عقابًا وهذا يتوقف على طبيعة علاقة الشخص بالله، مضيفًا: "ليس كل نعمة هي خير ودليل على محبة الله بل قد تكون استدراجًا لهذا الإنسان".

وضرب مثالًا بقول أحد الصحابة: "أشعر بمعصيتي في خُلُق دابتي"، فهو يدرك أنه لو وقع عليه ابتلاء سيقول بما: "كسبت يدي".

موضع الأخيار


ونوه أبو هربيد إلى أن المسلم لا بد له من الاعتبار؛ بأن يضع نفسه في موضع الأخيار حتى يناله الخير ويتجنب أن يضع نفسه محل الأشرار حتى لا ينال سخط الله؛ لقوله تعالى: "وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا"، وقوله: "(إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ).

وتابع حديثه: "كم من أناسٍ في بداية حياتهم ابتلاهم الله وصبروا ثم عوضهم خيرًا، وهناك من رزقهم الله البنين وفرح بهم وكانوا نقمة عليه، كما قال تعالى: "فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ".

وحث المسلمين على أن ينتهجوا النظر إلى سنن الله في خلقه ليعتبروا، فـالله يعطي من فضله المشرك والعاصي، وقد يحرم المؤمن؛ ولكن المهم كيف ينظر المرء إلى عطاء الله وحرمانه.

تم ارسال التعليق