إطلاق الرصاص في المناسبات في لبنان يحصد الضحايا

أرض كنعان - وكالات / احتفالاً بولادة طفل أو بإطلالة زعيم عبر التلفزيون، بفوز مرشح في الانتخابات أو بنجاح تلميذ في شهادة تعليمية، في مأتم شاب قتل في حادث سير أو على الجبهات، في مناسباتهم السعيدة والحزينة، يطلق لبنانيون الرصاص في الهواء في ممارسة تحولت إلى ظاهرة قاتلة. 

ويعكس تنامي هذه الظاهرة حجم انتشار السلاح الفردي بلا ضوابط في لبنان منذ الحرب الأهلية (1975-1990) ويطرح ضرورة التشدد في تطبيق القوانين وتحديثها، وقد دفع القوى الأمنية إلى تفعيل تدخلها لملاحقة المتورطين.

ومنذ شهر آذار/مارس، أحصت القوى الأمنية مقتل أربعة اشخاص على الاقل بينهم ثلاثة اطفال في اطلاق نار في الهواء، وإصابة ثمانية أشخاص آخرين برصاص طائش.

ونجا حسين عزب (15 عاماً) بأعجوبة خلال شهر ايار/مايو من الموت بعدما اخترقت رصاصة طائشة صدره وهو يسير في الشارع مع أفراد من عائلته في الضاحية الجنوبية لبيروت خلال الاحتفال بنتائج الانتخابات البلدية.

ويقول حسين بعد تصفحه صوراً على هاتف الخلوي تظهره مستلقياً على سرير المستشفى واخرى للرصاصة التي تم استئصالها، "شعرت بنار دخلت إلى صدري. بدأ الدم ينفر. خفت كثيراً. اعتقدت انني ساموت".

ويقول أنه بات يسارع إلى الاختباء في كل مرة يسمع دوياً حتى لو كان مجرد مفرقعات، ويضيف "تغيرت حياتي. أصبحت عصبياً كثيراً.. لا اتمكن من النوم وعندما اكون نائماً استفيق مصاباً بنوبات هلع".

وتقول والدته وفاء (45 سنة) بانفعال "هم كانوا يحتفلون بالفوز في الانتخابات فيما كنا نبكي دماً".

في مطلع تموز/يوليو، أصيب رجل في البقاع (شرق) برصاص طائش أطلق احتفالاً برؤية الهلال عشية عيد الفطر، وقتل طفل في بيروت إثر صدور نتائج امتحانات البكالوريا الرسمية. 

السلاح "زينة الرجال"



وتتكرر الظاهرة في مناطق لبنانية مختلفة، لا سيما في الضاحية الجنوبية، إحدى أبرز مناطق نفوذ حزب الله، وخصوصاً خلال خطابات الأمين العام للحزب حسن نصرالله.

ووجه نصرالله مراراً نداءات لم تجد صدى في الشارع، فما كان منه إلا ان حذر محازبيه في 24 حزيران/يونيو بان من يطلق النار في الهواء سيفصل من الحزب حتى من "يكون قاتل (إسرائيل) 30 سنة".

ويقر قاسم (36 عاماً)، وهو بائع متجول في مدينة صيدا (جنوب)، باإقدامه على اطلاق الرصاص ابتهاجاً في مناسبات عدة على مدى السنوات الماضية، لكنه يشدد على أنه لا يفعل ذلك "بين البيوت، إنما في الساحات العامة بعدما أطلب من الناس الابتعاد".

ويقول "أول مرة أطلقت الرصاص كانت منذ 14 عاماً حين ولدت ابنتي عروبة تزامناً مع ذكرى استقلال لبنان في 22 تشرين الثاني/نوفمبر".

ويضيف "كانت أول فرحة لنا وأطلقت حينها 75 رصاصة".

وكرر قاسم إطلاق رصاص الابتهاج، بحسب قوله، بعد شفاء ابنته من مرض أصيبت به وفي كل عيد استقلال ومع ولادة طفله الثاني. 

وبرغم إصابته سابقاً بالخطأ خلال تنظيفه مسدساً، يقول "السلاح زينة الرجال". ثم يؤكد انه تخلى مؤخراً عن سلاحه. 

أربعة ملايين قطعة سلاح



ينتشر السلاح الفردي بكثافة في لبنان، وهو بمعظمه غير مرخص، وفق ما يؤكد مسؤولون وناشطون في المجتمع المدني.

ويقدر فادي أبي علام، رئيس حركة "السلام الدائم"، وهي منظمة غير حكومية تنشط في مجال التوعية على مخاطر استخدام السلاح، عدد قطع السلاح الخفيفة "بنحو أربعة ملايين قطعة سلاح أي عدد سكان لبنان".

ويستدرك "صحيح أنه لا يوجد سلاح في بعض المنازل لكن هناك العشرات في بعضها الآخر".

وينطبق على حيازة السلاح واستخدامه قانون الأسلحة الصادر العام 1959، ويعاقب "كل من أقدم على إطلاق النار في الأماكن الاهلة (...) بالحبس من ستة اشهر الى ثلاثة سنوات وبالغرامة من 500 ليرة الى ألف ليرة (0,6 دولار) او بإحدى هاتين العقوبتين". 

وتحول هذه العقوبة التي مرّ عليها الزمن بفعل تغير قيمة العملة، دون تعرض مطلقي النار لعقوبة فعلية.

ويقول النائب غسان مخيبر الذي تقدم مؤخراً باقتراح لتعديل هذه الأحكام "طالما للقاضي الحرية في اختيار إحدى هاتين العقوبتين فإنه يتجه الى انزال عقوبة الغرامة البسيطة جداً".

ووقع عشرة نواب من مختلف الأحزاب الرئيسية على اقتراح القانون تمهيدًا لمناقشته والتصويت عليه عند اول جلسة للبرلمان المعطل منذ 2014 بسبب أزمة سياسية حادة في لبنان. 

ويطالب الاقتراح بتشديد عقوبة السجن حتى 20 عاماً ورفع قيمة الغرامة حتى 12500 دولار، وبإنزال العقوبتين معاً بحق كل من يطلق الرصاص وتجريده من سلاحه.

"بتقبل تقتل؟"



وأطلقت قوى الأمن الداخلي حملة توعية بعنوان "بتقبل تقتل؟" للحد من هذه الممارسة التي يصفها رئيس شعبة العلاقات العامة في قوى الأمن الداخلي العقيد جوزف مسلم بـ"المرضية والقاتلة".

ويوضح "أطلقنا خدمة بعنوان "بلِّغ" لتشجيع المواطنين على إبلاغنا عن مطلقي النار مع الحفاظ على سرية" هوية المبلغين، مضيفاً "بتنا نعلن عن توقيف مطلقي الرصاص يومياً لنعلم الناس أننا نلاحقهم ونريد تعاونهم لوقف هذه الظاهرة".

وأوقفت قوى الأمن الداخلي 136 شخصاً بين الاول من حزيران/يونيو والرابع من الشهر الحالي.

ويقول أبي علام الذي وثقت جمعيته سقوط مئات الضحايا بين قتيل وجريح منذ العام 2000 "إطلاق الرصاص يأتي تعبيراً عن مشاعر فرح وحزن، لكن السماء لم تبلع يوماً رصاصة".

تم ارسال التعليق